ومضات عن الفقد والغياب بقلم الكاتب محمد كريزان
يا الله…
أيّ لعنة هذه
توقظ جراحي النائمة،
وتعيد ترتيبها
على هيئة وجهِها؟
حروب وصراعات
لا تنتهي...
أوجعُها
تريد دفنكِ
في مقبرة النسيان،
وأقساها
تلك التي تنبشُ القبر
كلّما حاولت النجاة
ـــ أيعتاد الإنسان الألم؟
ـــ بالطبع…
أنا مثلًا، مُذ رحلت،
خساراتي أصبحت
شكلًا من أشكال التنفس.
أعرفُ متيماً
تحول إلى شجرةٍ
في محطة اللقاء
كلما تظلل
عاشقين تحتها
أزهرت أوراقها
وصار جذعها نايًا
يعزف:
"أنا في انتظارك...
خلّيت ناري في ضلوعي"
لو كان الغياب جسدًا،
لعانق روحي
وهو يهمس:
لن تأتي…
لن تأتي.
أتحسس دفء أناملك
وهي تغمر كفي
نشق زحام الشارع
كجسد واحد
نسرق من الوقت ضحكات
ونبني قصورا
لغد ينتظرنا...
ألتفت لأهمس لك؛
فيصفعني الفراغ.
أيّها الليل،
وحدك تعلم خيبتي؛
أعدها إليّ
ولو في حُلم.
الفقدُ يا حبيبتي،
غابةٌ من المرايا،
مكتظّةٌ بالوجوه...
إلا وجهك أنتِ.
في حضرةِ الغياب،
ذكرى واحدة،
تفتح ألف باب من الألمِ،
وليلٌ لا يشرق.
جمعتُ صورها،
أشعلتُ النار فيها
لم تحترق..
ظلّت تحدّق بي،
حتى احترق قلبي.
مِتُّ ألف مرة
وأنا على قيد الحياة،
أرهقني غيابك..
لا جنة ألقاكِ فيها،
ولا نار تُطهِّرني منكِ،
كأنكِ القيامة التي
لا تنتهي.
لا أجيد كتابة الحكايا
ولا نظم القصائد
أنا فقط..
أتنفس غيابها
وأنثر آهاتي
على الورقة
آهة... آهة.
يُعيدها إليّ كلَ ليلة،
ثم يخطفها مع الصباح..
حُلمي العنيد.
على ركام الذكرى أسجد،
فالقلب أضاع قبلتَه
مذ خسر نبضَه.
كلّما قلت: نسيتها،
اشتقتها أكثر…
ملعون أنت يا قلبي،
تنتقم من كذبي عليك!
لغة
يخطّها النبض،
ويفكّها الدمع...
غيابك.
حنين يُرهق الصدر،
وشوق يلدغ الروح،
وبين الوجعين…
أنا.
غبار ... غبار
يملأ أرجاء الغرفة
يتسلّل جزء منه إلى صدري
ويغطي بعض صور القلب
يا لقسوته…
لم يختر إلا صورك.
موسيقى
تضغط على رأسي ببطء
تصل أصابعها
إلى أعماق الذاكرة
فيطفو وجهك
أبكي
أحاول مسح دموعي
لا مناديل
لا يد لي
أين يدي؟
أبكي
خفيفة أنتِ
تطيرين كحمامة دمشقية
تتمايلين مع اللحن
وترقصين
أصفّق لكِ
بجفون عيني
وأبكي
تعانقينني
وتختمين عنقي
بحمرة شفتيكِ؛
يعود الهدوء
وتعود يدي
وأنت…
أنت لا تعودين
كان قلبها قد بايع وجهة غيري
لكنها أرادت الخروج
من علاقتنا
بطريقة مهذبة
لا ضجيج
لا ذنوب
لا دموع،
وحين نسيت تاريخ ميلادها
صار النسيان ذريعة
لرحيل
مُعد سلفا،
في تقديرها
رجل يخطئ في التواريخ
يخطئ في العهد
ولا يؤتمن على قلب،
ومضت
بهدوء وخفة
وطمأنينة عابد
مغفور له،
وتركتني أحمل العمر
مثقلا بوزر الإهمال،
بينما الخطيئة الحقيقية
دُفنت في ملف
وضع في خزانة مهملة
كُتب عليه:
أسباب ثانوية لا تستحق الذكر.
أحمر كرزي،
أسود قاتم،
سماوي باهت
تعبت من الانتظار
منذ غيابك
فساتينك.
جمعت الشوق والحنين،
الأرق والذكريات
وبعضًا من ضياعي
بعد غيابها.
لففتهم تبغًا
وتركت الموت يمارس طقسه.
العَزفُ على أَوتارِ الحَياةِ
أَرهَقَني..
وسِيمفونيَّةُ المَوتِ
طَويلةٌ جِدّاً
ولا أُجيدُها.
أجلس مع هذا الليل الطويل،
وأتذكّر...
كيف كانت يدكِ
تُقصّر المسافة
بين قلبي
والأمان.
في الغرفة
الثانية صباحا
ينمو الحنين حول عنقي
بأصابع شوق
يمتد حتى صدري
ويقتلع نبضي
نبضة
نبضة
غيابك.
كلّما زرعتُ الأمل
في روحي
جاء غيابها
وسقاه يأسًا
مذ رحيلك
جمعت ما تبقّى
من أثر خطواتم
صنعت منها دربا
علك منه تعودين.
قطفت وردة،
ورحت أنزع أوراقها واحدة تلو الأخرى،
وأنا أردد:
تُحبني.. لا تُحبني.
تلاشت الوردة، ولم تعجبني الإجابة.
قطفت ثانية
وأعدت الطقس ذاته،
لكن الخيبة تشابهت.
وحين مددت يدي لأقطف الثالثة..
كان البستان قد تحوّل إلى صحراء.
أدركت أن الهروب
من طيفك
بات مستحيلا...
فقررت أن أواجه
هذا الشوق
على طريقتي:
أجلس في الظلام
أشعل شمعة
وأدخن غيابك.
تعالي
نتقاسم الغياب
أنا
أرتب دموعي
كل مساء
وأنتِ
تنامين
بكل هدوء.
كيف استطاع، كيف
أن ينتقل من يد
إلى يد
دون أن يشعر
بالبرد
قلبُك.
أدركت،
وهي تبتعد،
أنّ ظهرها
كان آخر جدار
أستند إليه
في هذا العالم.
أقلب
صفحات الغياب
شوقا
يليه شوق
حتى يختنق الليل...
وأنا.
في باحة المنزل
قلمي وبضع أوراق
موسيقى أم كلثوم
تختلط في الهواء
فتملأ الفضاء
حنيناً وشوقاً
هززت نبتة الريحان
لأستنشق عبيرها
فإذا بـأنثى تخرج منها
برائحة عذبة
حدّقت بي وبعتاب رقيق:
أما اشتقت؟
انقطعت موسيقى الست
ذابت الأوراق
جفّ ريقي
عُقد لساني!
ابتلعت الصدمة:
بلى، والله اشتقت.
ابتسمت وهي تنثر عليّ
من رائحتها
وهمست وهي تختفي:
خذ بعضاً من هذه
الأوراق وشذاها
وضعها على قبري.
مذ رحلت،
أجلس على كرسي
اللقاء الأول،
أعد قمحا لعصفور،
أقسم ألف مرة أن يعود،
ثم خذلني.
